محمد جمال الدين القاسمي

110

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

إِلَيْكُمْ أي فقامت الحجة عليكم وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ استئناف بالوعيد لهم . أي : فيهلكهم ، ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً أي بتوليكم لاستحالته عليه ، بل تضرون أنفسكم . أو بذهابكم وهلاككم لا ينقص من ملكه شيء إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي رقيب عليه ، مهيمن ، فلا تخفى عليه أعمالكم ، فيجازيكم بحسبها . أو حافظ حاكم مستول على كل شيء ، فلا يمكن أن يضره شيء . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا أي عذابنا ، أو أمرنا بالعذاب ، وهو الريح العقيم نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ وقد بيّن في غير آية ، منها قوله : وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 6 - 7 ] . فإن قلت : ما معنى تكرير التنجية ؟ فالجواب : لا تكرير فيه ، لأن الأول إخبار بأن نجاتهم برحمة اللّه وفضله ، والثاني بيان ما نجوا منه ، وأنه أمر شديد عظيم لا سهل ، فهو للامتنان عليهم ، وتحريض لهم على الإيمان . أو الأول إنجاء من عذاب الدنيا ، والثاني من عذاب الآخرة ، تعريضا بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم ، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ . ويرجح الأول بملاءمته لمقتضى المقام . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 59 ] وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ تأنيث اسم الإشارة ، باعتبار القبيلة . وصيغة البعيد لتحقيرهم ، أو لتنزيلهم منزلة البعيد ، لعدمهم . وإذا كانت الإشارة لمصارعهم ، فهي للبعيد المحسوس . وتعدى الجحود بالباء حملا له على الكفر ، لأنه المراد . أو بتضمينه معناه ، كما أن ( كفر ) جرى مجرى ( جحد ) . فتعدى بنفسه في قوله : كَفَرُوا رَبَّهُمْ * [ هود : 60 ] . وقيل : ( كفر ) ك ( شكر ) يتعدّى بنفسه وبالحرف . وظاهر كلام القاموس : أن ( جحد ) كذلك .